بقلم: Dr. Silvia Carenzi

الدكتورة سيلفيا كارينزي زميلة باحثة مشاركة في مركز الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التابع لمعهد ISPI، حيث تدرس النزاعات والعنف السياسي والحركات الدينية والسياسات الاحتجاجية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا/جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا، مع تخصص راسخ في الشأن السوري.
يستند عملها إلى أبحاث ميدانية أجرتها في سوريا وتركيا والأردن، ويعتمد على سنوات من التحليل الدقيق للجماعات المسلحة والتحولات السياسية والإرث الاجتماعي للحرب. وهي حاصلة على درجة الدكتوراه في الحوكمة عبر الوطنية من مدرسة Scuola Normale Superiore ومدرسة Sant’Anna للدراسات المتقدمة.
في هذا المقال، توظّف كارينزي فهماً عميقاً للخبرة الإقليمية والتاريخية لتسليط الضوء على الروايات التي تشكّل التصورات الدولية عن سوريا ما بعد الأسد، باحثةً في كيف لا تزال الأطر الاستشراقية الجديدة والإسلاموفوبية تحجب الوقائع السياسية للبلاد، وانقساماتها الاجتماعية، والنقاشات الملحّة حول العدالة والتمثيل وإعادة بناء الدولة.
_______________________________
في أعقاب سقوط نظام الأسد، عادت إلى الظهور أنماط الاستشراق الجديد الراسخة منذ زمن طويل، بما في ذلك في التعليقات باللغة الإنجليزية، وكثيراً ما حملت نبرات إسلاموفوبية. فبدلاً من تفكيك الطبقات المتعددة، وإرث الاستعمار وحكم البعث، والصدمة، والنسيج الاجتماعي الممزّق، تختزل هذه الروايات تحديات سوريا المتشعّبة في تصنيف "جهادي" جامع. ومع كل ما تحظى به من رواج، فإن هذه الروايات تحجب أكثر مما توضّح أكثر القضايا السياسية إلحاحاً في سوريا، من العدالة إلى توسيع المشاركة السياسية ورؤية البلاد الأشمل للمستقبل.
روايات راسخة منذ زمن طويل: الاستشراق الجديد و"الإرهاب"
هذه الروايات أبعد ما تكون عن الجِدّة، إذ تضرب بجذورها في الخطابات والممارسات الاستعمارية والاستعمارية الجديدة. وكما تشير الباحثة علا الرفاعي، فإن تاريخ سوريا نفسه، الممتد عبر الإمبريالية والاستعمار والحكم الاستبدادي في ظل آل الأسد، اتّسم بالفكر الاستشراقي والاستشراقي الجديد في صور مختلفة، قبل عام 2011 بزمن طويل. ومع ذلك، فإن خيطاً بعينه من خطاب الاستشراق الجديد، متشابكاً مع إطار "الحرب العالمية على الإرهاب"، تبلور بعد عام 2011.
على الرغم من تموضعه المعادي للغرب، فقد وظّف الأسد موتيفات "الحرب العالمية على الإرهاب" السائدة لنزع الشرعية عن المعارضة، مصوّراً حكمه نفسه بوصفه الحصن الأخير في وجه "الإرهاب" و"التطرف". وعلى وجه الخصوص بعد صعود تنظيم ما يُسمى "الدولة الإسلامية" (داعش)، ترسّخت هذه الرواية على نحو أعمق، فيما أظهر المجتمع الدولي التباساً، إذ ظل يدعو بالكلام إلى انتقال سياسي، لكنه وقع أيضاً بطريقة ما أسير فهمٍ مدفوع بالإرهاب للثورة والحرب في سوريا. وكثيراً ما صُوِّر الأسد بوصفه الشر الضروري في مواجهة "الجهادية".
هذا الإطار القائم على "الإرهاب" يتجلى أيضاً في الروايات التي تظهر بشكل دوري على مدى العام الماضي. فمع انهيار نظام الأسد في أوائل كانون الأول/ديسمبر 2024، عقد عدد من التعليقات الإعلامية الأجنبية مقارنات بين القوى التي أطاحت بالأسد وتنظيم داعش، مثيرةً شبح "الجهادية في السلطة".

على سبيل المثال، استهلّ برنامج إخباري مقرّه أوروبا تغطيته بصور لمقاتلين مناهضين للأسد في حلب، مع عنوان رئيسي يلمّح إلى عودة داعش. وبعد ذلك بوقت غير طويل، ومع انخراط مزيد من الدول سياسياً مع الحكومة السورية الجديدة وإعادة دمج سوريا تدريجياً على الصعيد الدولي، سرعان ما أعادت الروايات الإعلامية ضبط نفسها.
غير أنه منذ ذلك الحين، لم تختفِ الروايات المدفوعة بـ"الإرهاب" و"التطرف"، بل ظلّت تتربّص في الخلفية، جاهزةً لإعادة تدويرها بشكل دوري. وكثيراً ما ظهرت إلى جانب موتيفات استشراقية جديدة أخرى، مثل تلك التي تقلّل من شأن الفاعلية السورية وتصوّر سقوط الأسد على أنه مجرد مؤامرة هندستها قوى خارجية.
موتيفات إسلاموفوبية مستمرة
تنزع العدسات الاستشراقية الجديدة عادةً إلى "أمننة" القوى المستلهمة من الإسلام، مصوّرةً إياها مسائل أمنية في المقام الأول وتهديدات متأصلة. وهي تتجاهل أو تقلّل من التنوع الداخلي عبر طيف الحركات المستلهمة من الإسلام في سوريا وخارجها.
وهو ما يعكس، على سبيل المثال، مسارات تطور متمايزة، وأنماط فعل، وعلاقات مع السكان المحليين. فالنظرات المفرطة في التبسيط تنتهي إلى وضع فاعلين شديدي الاختلاف في سلّة واحدة. ومع ذلك، فإن التاريخ القريب لهذه الحركات، بما في ذلك تاريخ الفصائل المسلحة في سوريا، يشهد على العكس: تاريخ معقّد ومتعدد الطبقات.
ففي حين كان الاهتمام الإعلامي، حتى وقت قريب، يدور حول داعش، كانت فصائل مسلحة أخرى ضمن الوسط الثوري الإسلامي تنخرط في نقاشات داخلية، وتنازع داعش، وتطوّر مقاربات بديلة للقتال المسلح والسياسة.
وإذا كان التطور السياسي لهيئة تحرير الشام قد خضع للتمحيص في الآونة الأخيرة، فإن حالات أخرى مثل حالة أحرار الشام ومراجعاتها الأيديولوجية في السنوات الأولى جديرة بالقدر نفسه من الاهتمام. فهي تجسّد النقاشات الفكرية والتطور التدريجي الذي مرّت به فصائل مسلحة عدة مستلهمة من الإسلام، بما في ذلك النقاشات حول طبيعة دولة ما بعد الأسد.

على الرغم من هذا التعقيد، فإن الروايات الموصوفة هنا تصوغ بعبعاً معتمدةً على نمط "الجهادي المتوحش". وهذا نادراً ما يبقى محصوراً بالفاعلين الذين يُوصَفون بصور شتّى بأنهم "متشددون". بل يفضي بسهولة إلى "أمننة الإسلام" على نطاق أوسع، حيث تُقدَّم التعبيرات العلنية عن التديّن (ولا سيما السنّية منها) بوصفها تهديدية بطبيعتها.
تاريخياً، في سوريا، ترتبط هذه الدينامية ارتباطاً وثيقاً بتلاعب نظام الأسد بالتعبير الديني وقمعه، بما في ذلك السيطرة على المجال الديني، المحصور في تأويلات للإسلام السنّي يقرّها النظام. وهي تعكس أيضاً روايات، بما في ذلك في التعليقات الأجنبية، تشيطن الأشكال المرئية للتعبير الإسلامي التي تُعَدّ خارج حدود "المقبولية"، حيث كثيراً ما تُعرَّف المقبولية بمدى استساغتها أمام النظرة الغربية.
نظرات مفرطة في التبسيط للنزاع والدينامية الاجتماعية-السياسية
في التعليقات باللغة الإنجليزية عن سوريا ما بعد الأسد، كثيراً ما يظهر الخطاب الاستشراقي الجديد في النقاشات حول النزاع والاحتكاكات الطائفية والدينامية الاجتماعية-السياسية الأوسع. وفي الآونة الأخيرة، عاد إلى الظهور خلال الاشتباكات بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) في كانون الثاني/يناير الماضي. ففي وقت كان فيه التضليل والمعلومات المضلّلة متفشّيين، انتشر محتوى تحريضي غير مُتحقَّق منه انتشاراً واسعاً، مستغلّاً في كثير من الحالات صدمات السكان المحليين ولاعباً على صورة "الجهادي المتوحش" النمطية.
على سبيل المثال، تداولت حسابات ناطقة بالإنجليزية مقطعاً مصوراً ذا صوت مُتلاعَب به، زاعمةً زوراً أنه يُظهر مقاتلين حكوميين يتاجرون بنساء كرديات. وإلى جانب الصور ومقاطع الفيديو المعدّلة، أُعيد تداول لقطات لا صلة لها بالموضوع ونُسبت زوراً إلى أحداث حديثة. علاوةً على ذلك، جرى تكراراً تحريف محتوى أصلي عن سياقه: فعلى سبيل المثال، قُدّمت شارات ورايات تحمل رموزاً إسلامية، أو أناشيد بعينها (أغانٍ عربية تُؤدّى من دون آلات موسيقية)، بوصفها دليلاً على الانتماء إلى داعش.
وسط هذا الضجيج، انصبّ قدر من الطاقة أكبر بكثير على الإثارة، عبر تأطير النزاع على أنه قوى "شبيهة بداعش" تهاجم "قوى متحضّرة"، أكثر مما انصبّ على توثيق الانتهاكات من جميع الأطراف. غير أن هذا سطّح طبقات السياق، بما في ذلك المظالم والتجارب المتنافسة للعنف عبر المجتمعات الكردية والعربية، من التهميش التاريخي للمجتمعات الكردية والانتهاكات المرتكبة بحقها، إلى الممارسات القسرية والانتهاكات التي عانتها (خصوصاً) المجتمعات العربية تحت حكم قسد.
وبهذه الطريقة، تُختزَل الدينامية الاجتماعية-السياسية المعقّدة إلى صورة كاريكاتورية: فيُعزى الاضطراب إلى نزوع طائفي و"جهادي" مفترَض لدى المجتمعات (السنّية) المسلمة. وتُصوَّر التوترات الطائفية وموجات العنف على أنها "غرائبية" بشكل فريد، بوصفها تجلّيات لفاعل مرضيّ على نحو استثنائي. وهذا ما يسمّيه الباحث داغ توستاد "أطروحة البربرية الجديدة": فالعنف السياسي يُفسَّر بـ"إغفال المصالح والسياقات السياسية والاقتصادية"، وتقديمه "بوصفه نتيجة لسمات متجذّرة في الثقافات المحلية".

غير أن هذه التأويلات تشوّه كيفية اشتغال النزاع: فالعنف السياسي لا يحتاج إلى أن يكون "استثنائياً" كي يحدث. وكما يلاحظ الخبير بيتر هارلينغ، فإن التحولات السياسية مثل التحول في سوريا "تضع حتماً على العلن شتى أنواع الخلافات"، وفي حين أن "التوترات الطائفية والإثنية تنزع إلى أن تكون محرّمة بشكل خاص، […] فإنها ليست سوى وجه واحد من هويات أشد تعقيداً بكثير". وثمة طبقات أخرى متعددة، تتصل، على سبيل المثال، بدينامية المركز-الأطراف، والتراتبية الاجتماعية-الاقتصادية، ودور الفاعلين العشائريين، والتنوع داخل المجتمع السنّي، وهي وثيقة الصلة بالقدر نفسه، لكنها لا تنال دائماً القدر ذاته من الاهتمام.
إن اختزال الاضطراب إلى فاعل "استثنائي" "وحشي" يحجب واقعاً أقل درامية: أن النزاع والعنف قد ينشآن من المألوف، من مظالم تمتد عقوداً؛ ومن ثارات شخصية؛ ومن صدوع اجتماعية راسخة منذ زمن طويل؛ ومن حروب نفوذ مصوغة بلغة الهوية. فالنزاع والعنف السياسي لا ينبثقان من العدم، بل تشكّلهما السياقات والثقافات السياسية والتواريخ التي يتكشّفان ضمنها.
إعادة تركيز الرواية
في لحظة ينبغي فيها وضع النقاشات المتجذّرة محلياً، حتى المتنازعة منها، في صدارة المشهد، تفرض الروايات الاستشراقية الجديدة إسقاطات خارجية على الوقائع المحلية. وهي لا تسهم إلا قليلاً في إنارة أكثر قضايا سوريا إلحاحاً؛ بل إنها، إن فعلت شيئاً، فإنها تخاطر بحجب منطقها الأعمق، وتلويث النقاش، وزيادة تأجيج الانقسامات بين المجتمعات.
وفي نهاية المطاف، فإنها تعزّز التصور القائل، في العين الاستشراقية، إن الإنسانية تبقى مشروطة بالقرب من النظرة الغربية. فبدلاً من الأنماط البالية، يكمن السؤال المركزي في كيفية القطيعة الدائمة مع الإرث الفكري والاجتماعي-السياسي للأسد، والإرث الاستعماري المستمر، مع تضميد مجتمع جُرح جرحاً عميقاً بفعل الصدمة الجماعية والفردية.
إن مواجهة الإرث السياسي للأسد تُبرز أسئلة العدالة والكرامة، والمشاركة السياسية ذات المعنى، والضوابط والتوازنات المؤسسية، وسيادة القانون، بدلاً من عدسة "ديني" مقابل "علماني" (المفترَض) بحد ذاتها. فهذه ليست بحال "أداة تشخيصية" ملائمة، إذ تأخذ ادعاءات العلمانية بوصفها علامات على العدالة أو الحرية.
وبعيداً عن ادعاءات "العلمانية"، كان نظام الأسد "نظاماً يصنع الطائفية بامتياز". فعلى مدى أكثر من خمسين عاماً، أطلق آل الأسد عنفاً منهجياً متطرفاً على كل من يعبّر عن معارضة، وشكّل المسلمون السنّة الغالبية الساحقة من ضحاياه. والطريقة التي وصل بها نظام الأسد إلى السلطة، وترسّخ، ومارس العنف، صنعت انعدام ثقة وصدوعاً على امتداد الخطوط الطائفية والمجتمعية، بما في ذلك داخل كل مجتمع. ولم تزدد خطوط الصدع هذه إلا عمقاً خلال الحرب.
يظل بناء عقد اجتماعي جديد أمراً مركزياً، لكن تأويل التحديات الراهنة عبر عدسة جوهرانية لا يفضي إلا إلى المزالق المرئية أعلاه. فينبغي للنقاش أن يتمحور حول قضايا العدالة، والحريات الأساسية، والمشاركة، والتمثيل، متجذّراً في الوقائع المحلية بدلاً من الافتراضات الخارجية. إن نقاشاً سليماً ومسؤولاً يقتضي من المراقبين الابتعاد عن الخطاب الاستشراقي الجديد المموَّه.

