Levant24
Back to Home

الصحافة في سوريا الجديدة: بين التحديات والفرص

1 years ago 0
100%

بقلم: Hamzah al-Mustafa

بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، ننشر مقالاً للضيف حمزة المصطفى، وزير الإعلام السوري. يتناول المصطفى في هذا المقال التحديات والفرص التي ينطوي عليها بناء مشهد إعلامي حر ومستقل عقب سقوط نظام الأسد.

_____________________________

عقب انهيار نظام الأسد وعقودٍ من إعلامٍ رسميّ خدم كأداة مركزية للتضليل والدعاية، تجد سوريا نفسها اليوم أمام فرصة تاريخية فريدة للشروع في تحوّل عميق ومُغيِّر لمشهدها الإعلامي.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن المشهد الإعلامي الراهن في سوريا يواجه تحديات جوهرية عديدة تضرب جذورها في الإرث الثقيل من التشويه الإعلامي والتآكل المؤسسي الموروث عن النظام السابق.

فالمؤسسات الإعلامية القائمة اليوم تتّسم بنقصٍ كبير في المهنية وقصورٍ حادّ في ثقافة حرية الصحافة والاستقلالية التحريرية. كما باتَ الخطاب الشعبوي منتشراً على نطاق واسع، وكثيراً ما يُستخدم وسيلةً للتلاعب بالرأي العام بدلاً من تعزيز القيم التأسيسية للحوار والتعددية والمساءلة.

وعلى مدى أربعة عشر عاماً، رسّخ النظام المخلوع مؤسسياً الخطاب الطائفي وشيطنَ سكان المناطق الخاضعة للثورة، ما أفضى إلى انقساماتٍ مجتمعية عميقة. ولا تزال آثار هذه الانقسامات ماثلةً حتى اليوم في الانتشار الواسع لخطاب الكراهية والإقصاء والطائفية على منصات التواصل الاجتماعي؛ وهي ديناميكيات تُعيق إلى حدٍّ بعيد القدرة على بناء بيئة إعلامية وطنية قائمة على الشمول والمعايير المهنية واستعادة الثقة العامة.

واستجابةً لهذه التحديات، شرعنا في وزارة الإعلام بالحكومة السورية الجديدة في بلورة رؤى واستراتيجيات شاملة تهدف إلى إعادة هيكلة الإعلام الرسمي على أساس الموضوعية، ضمن إطار قانوني وأخلاقي واضح، يشمل «مدوّنة سلوك» تضع المبادئ الناظمة للعمل الإعلامي من دون المساس بحرية التعبير.

(ناشطون إعلاميون يغطّون احتجاجات مناهضة للأسد في سوريا قبل سقوط النظام.) [Muhammad Al-Najjar/SOPA Images]

وتشمل هذه المبادرة الآن عملية تشاورية مع الصحفيين المحليين والفاعلين في المجتمع المدني والنقابات، ومنها نقابة الصحفيين السوريين بعد إعادة هيكلتها، التي أطلقت إطاراً تنظيمياً جديداً يتضمن شروط عضوية تستهدف صون النزاهة المهنية والمعايير الأخلاقية.

وفي الوقت نفسه، تسعى الوزارة إلى الحيلولة دون استغلال الإعلام أداةً للاستقطاب أو لتعميق الانقسامات المجتمعية. وتتطلّع هذه الرؤية إلى ترسيخ ثقافة إعلامية يُوظَّف فيها النقد أداةً بنّاءة للإصلاح وتعزيز التماسك الاجتماعي.

وكجزء من هذا الجهد، ركّزت لقاءات أخيرة مع صحفيين وناشطين مخضرمين على إرساء معايير تحريرية واضحة، لا سيما في ما يتعلق بالموضوعات الحساسة مثل المصالحة بعد النزاع، وتوثيق المقابر الجماعية، وتغطية مراكز الاحتجاز السابقة؛ وهي قضايا تعرّض فيها بعض الصحفيين المواطنين للنقد بسبب تغطية غير مدرَّبة أو غير أخلاقية.

ومن الواضح بلا جدال أن الطريق إلى الأمام لا يزال محفوفاً بالتحديات، وأن حرية التعبير في سوريا تبقى محدودةً قياساً بنظيرتها في الديمقراطيات الراسخة. غير أنه من الضروري النظر إلى ذلك ضمن منظور أوسع.

إذ تخوض سوريا حالياً مرحلة انتقالية صعبة، وتخطو خطواتها الأولى نحو الإصلاح السياسي. وفي هذا السياق، من المهم إدراك أن حرية الإعلام عملية تدريجية ومتطوّرة، شأنها شأن المسار الأوسع للترسيخ السياسي.

وانسجاماً مع هذا الزخم الانتقالي، أبدت الحكومة انفتاحاً على التعاطي مع النقد الإعلامي، وأظهرت استعداداً واضحاً لتوسيع مساحة حرية التعبير. ويتحقق هذا التقدّم رغم التحيّزات البنيوية التي كثيراً ما تُلازم الإعلام الرسمي، نابعةً من روابطه المؤسسية بالحكومة واعتماده على التمويل العام.

وفي سياق تعزيز بيئة إعلامية أكثر تعددية وشفافية خلال هذه المرحلة الانتقالية، تُبدي وزارة الإعلام انفتاحاً كبيراً على الاستفادة من الخبرات الدولية، بما في ذلك التعاون في مجالي التدريب والتطوير بما يتماشى مع مبادئ الصحافة الحديثة.

فعلى سبيل المثال، تدرس الوزارة حالياً مقترحات تدريب مشتركة مع منظمة مراسلون بلا حدود (RSF) ، وفتحت نقاشات مع اتحاد الصحافة العربي بشأن اعتماد بطاقات صحفية موحّدة للصحفيين السوريين في الخارج.

كما تسعى الوزارة إلى إرساء تواصل مستمر قائم على تبادل وجهات النظر وبناء شراكات إعلامية فاعلة. ويشمل ذلك فتح المشهد الإعلامي أمام جميع الوكالات العاملة في سوريا، وتمكين الإعلام المستقل والأجنبي من أداء دوره في تغطية الأحداث على الأرض. ونتوقّع أن تُسهم هذه المبادرات في تعزيز خطاب عام أكثر حيوية واطّلاعاً، وأن تتيح وجهات نظر متنوّعة، بما يُسهم في تشكيل سردية وطنية أكثر شمولاً وتوازناً.

وفي ظل حكم الأسد، كانت سوريا من بين أخطر البيئات على الصحفيين، إذ قُتل أكثر من 700 إعلامي نتيجة الاستهداف الممنهج والتعذيب في مراكز الاحتجاز. وعلى النقيض من ذلك، تدخل البلاد الآن مرحلة جديدة قائمة على الإيمان بأن صحافةً حرّة ومستقلة وغير خاضعة للرقابة تشكّل حجر الزاوية في انتقال سياسي فاعل نحو الديمقراطية.

(أُصيب صحفي قناة الجزيرة رياض الحسين على يد فلول نظام الأسد أثناء تغطيته الاشتباكات على طول الساحل السوري في آذار/مارس.) [L24/Social Media]

ومع ذلك، لا تزال تحديات عدة قائمة. فقد أبلغ صحفيون محليون عن حالات مضايقة وتدخّل تحريري ورقابة ذاتية منذ سقوط النظام، خصوصاً عند تغطية أحداث سياسية حساسة كالأحداث التي شهدها الساحل في آذار/مارس. وتعكس هذه الحوادث عاداتٍ بنيوية متبقّية يجب كسرها بحزم إذا أُريد لحرية الصحافة أن تترسّخ.

علاوة على ذلك، تواصل الأصوات الإعلامية المستقلة، ولا سيما الصحفيون المستقلون والصحفيون المواطنون، أداء دور حاسم في تغطية التطوّرات على المستوى الشعبي. وكثير من هؤلاء الصحفيين كانوا يعملون سابقاً من المنفى أو في الخفاء، ويُسهمون اليوم في تشكيل الثقافة الإعلامية الجديدة في سوريا، رغم ما يواجهونه من عقبات سياسية ومهنية مستجدّة في بيئة انتقالية تجمع بين الفرص وعدم اليقين.

ومع أن الطريق أمامنا لا يزال طويلاً ومحفوفاً بتحديات معقّدة، فإننا نبقى واثقين من قدرتنا على بناء نموذج مختلف يؤدي فيه الإعلام دوراً فاعلاً في بناء الدولة والنهوض بالسلام المستدام.

Share:

Comments (0)

Add a Comment