
عمّ الاستياء أنحاء المناطق الزراعية في سوريا هذا الأسبوع بعد أن حدّدت الحكومة السورية أسعار شراء القمح، وهي أسعار قال المزارعون إنها لا تعكس الارتفاع الكبير في تكاليف الإنتاج والخسائر الموسمية الفادحة. ونظّم مزارعون في درعا ودير الزور والرقة ومناطق أخرى من منطقة الجزيرة السورية احتجاجات واعتصامات بعد أن ثبّتت وزارة الاقتصاد والصناعة سعر شراء القمح القاسي من الدرجة الأولى عند نحو 325 دولاراً للطن.
ورأى المتظاهرون أن هذا الرقم يقلّ كثيراً عن التكلفة الفعلية للإنتاج في ظل استمرار ارتفاع أسعار الوقود والأسمدة والريّ والنقل. وسرعان ما تحوّل الغضب إلى واحدة من أبرز موجات الاحتجاج الاقتصادي في سوريا منذ سقوط الأسد، إذ انتقد المحتجّون سياسة الدولة علناً وطالبوا بمراجعة فورية.
أزمة الوقود تفاقم ارتفاع تكاليف الإنتاج
تظلّ سوريا شديدة الاعتماد على إنتاج القمح بوصفه ركيزة من ركائز الأمن الغذائي ومصدراً رئيسياً للدخل لآلاف الأسر الريفية. وقد جعلت سنوات النزاع وتقلّبات المناخ وتضرّر البنية التحتية المزارعين أكثر عرضة للصدمات الاقتصادية. كما أدّى ارتفاع أسعار الوقود إلى زيادة التكاليف في كل مرحلة من مراحل الإنتاج، من الريّ وتشغيل الآلات إلى النقل والشحن.
وشدّد المزارعون على أن أسعار الأسمدة باتت غير محتملة بالنسبة لكثيرين يعانون أصلاً من أضرار الطقس القاسي والخسائر المحصولية المرتبطة بالمناخ. وحذّر قادة الاحتجاج من أنه إذا استمرّت القرارات المتعلقة بالقطاع الزراعي على هذا النحو، "فلن تجد أحداً يعمل في الزراعة في السنوات المقبلة".
المزارعون يهدّدون بإرسال وفد إلى دمشق
تصاعدت الاحتجاجات في شرق سوريا، حيث حذّر وجهاء المجتمع المحلي من أن استمرار التقاعس قد يعمّق الضائقة الاقتصادية الحادّة أصلاً. وشهدت مظاهرات 17 أيار/مايو محاولة المزارعين الضغط على السلطات لإعادة النظر في سياسة التسعير.
وكان حامد الجبير، وهو مختار من عشيرة العنايز من قبيلة العكيدات في دير الزور، قد التقى مسؤولين حكوميين لنقل تظلّمات المزارعين، فأُبلغ بأن المسألة لا تزال قيد الدراسة. وأضاف أن الأهالي ينتظرون رداً رسمياً، لكنه حذّر من أن المزارعين مستعدّون لتصعيد مطالبهم.
وأكّد أن الاحتجاجات تركّز حصراً على مطالب اقتصادية وخدمية لا على أهداف سياسية. فالأهالي يريدون "أسعاراً عادلة للمحاصيل" وتحسين البنية التحتية ودعم قطاعَي الزراعة والثروة الحيوانية اللذين يشكّلان عماد الاقتصاد المحلي. وتعاني دير الزور أصلاً من نقص حادّ في الكهرباء والمياه وفرص العمل. وحذّر المزارعون من أن المزيد من التدهور في الزراعة قد يزعزع استقرار مجتمعات هشّة أصلاً.
الاستجابة الحكومية تكشف تبايناً حادّاً
لفت النهج الجديد للحكومة في التعامل مع الاحتجاج الشعبي انتباهاً واسعاً لاختلافه الجذري عن الاستجابة التي شهدها السوريون في عهد النظام السابق. وأشار معلّقون على مواقع التواصل الاجتماعي إلى رمزية توقيت المظاهرات، مستذكرين أن العشرين من أيار/مايو صادف ذكرى واحدة من أولى المجازر بحقّ المتظاهرين المناهضين للأسد عام 2011. فقبل خمسة عشر عاماً، قوبل متظاهرون كانوا يسيرون باتجاه مدينة إدلب بالقوة المميتة قرب قاعدة معرّة مصرين العسكرية، حيث قُتل العشرات.
وفي المقابل، دفعت الاحتجاجات الحالية على أسعار القمح إلى مفاوضات وتعديلات في السياسة بدلاً من القمع العنيف. فخلال أيام من المظاهرات، أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع المرسوم رقم 120 لعام 2026، الذي يمنح علاوة تشجيعية قدرها 9000 ليرة سورية جديدة عن كل طن من القمح يُسلَّم إلى المؤسسة العامة السورية للحبوب.
ورفع المرسوم فعلياً سعر الشراء إلى نحو 400 دولار للطن، وهو أقرب إلى النطاق الذي طالب به المزارعون خلال الاحتجاجات. وقدّمت الحكومة هذا الإجراء بوصفه جهداً لدعم المنتجين الذين يواجهون مصاعب استثنائية هذا الموسم، بينها الفيضانات والظروف المناخية القاسية وارتفاع التكاليف التشغيلية.
ترحيب بالزيادة لكن الأزمة مستمرّة
رحّب بعض المزارعين بحذر بالتسعير المعدّل، مع تشديدهم على أن التحديات الزراعية الأوسع لا تزال دون حلّ. وقال المزارع عبد الكريم العلي من ريف حماة لصحيفة "العربي الجديد" إن الزيادة تمثّل "خطوة أفضل من التسعير السابق"، إذ تعكس بصورة أقرب الحدّ الأدنى من تكاليف المزارعين.
ورأى آخرون أن التراجع السريع عن القرار يثبت أن الضغط الشعبي قادر على التأثير في السياسة الحكومية في ظل الإدارة الجديدة. وقال محمود سعد الدين، وهو مزارع من ريف الرقة، إن القرار المعدّل منح المزارعين "إحساساً بأن أصواتهم سُمعت بعد الاحتجاجات الأخيرة".
ومع ذلك، حذّر كثيرون من أن الأزمة الزراعية في سوريا تتجاوز تسعير القمح وحده. فالمزارعون لا يزالون يواجهون تقلّب أسعار الصرف، وتأخّر المدفوعات الحكومية، وتضرّر الأراضي الزراعية، وارتفاع تكاليف البذور والوقود والأسمدة.
ومع ذلك، شكّلت الاحتجاجات لحظة سياسية بارزة في سوريا ما بعد الأسد، حيث لم يُقابَل الاعتراض الشعبي على السياسة الاقتصادية بالاعتقالات أو العنف، بل بالمفاوضات وتنازل رئاسي.

